مشروع المساعدة الاجتماعية الجديد في النمسا.. مبالغ ثابتة للبالغين و”مرحلة دمج” تستهدف المهاجرين

النمسا ميـديـا – فيينا:

بدأت أحزاب الائتلاف الحكومي في النمسا (ÖVP وSPÖ وNEOS)، يوم الثلاثاء، مفاوضات رسمية مكثفة لمناقشة مسودة قانون جديد لإصلاح نظام المساعدة الاجتماعية (Sozialhilfe)، قدمتها وزارة الشؤون الاجتماعية برئاسة الوزيرة Korinna Schumann من حزب SPÖ، وذلك بهدف توحيد المعايير على مستوى البلاد وتعزيز دمج المستفيدين في سوق العمل، وسط تباينات حادة بين أطراف الائتلاف بشأن آليات التمويل ومخصصات الأطفال، وموجة تحذيرات صريحة أطلقتها منظمات الإغاثة الإنسانية.

انطلاق المفاوضات وملفات شائكة حول مخصصات العائلات

افتتحت أحزاب الحكومة النمساوية ÖVP وSPÖ وNEOS محادثات المفاوضات حول إصلاح المساعدة الاجتماعية بناءً على مشروع القانون المقدم من وزارة الشؤون الاجتماعية برئاسة الوزيرة Korinna Schumann (حزب SPÖ). وعلى الرغم من بدء النقاشات، لا تزال ملفات حاسمة موضوع بحث وسجال؛ وفي مقدمتها تحديد قيمة الدعم المالي المخصص للأطفال، وآلية التدرج أو الخفض التدريجي للدفعة المالية في العائلات متعددة الأطفال (Mehrkindfamilien). كما تشمل المفاوضات تقديم دعم إضافي للأسر ذات الدخل المنخفض وطبيعة تمويله، وهو الملف الذي دفع منظمات Caritas وDiakonie وVolkshilfe للتحذير والإعراب عن قلقها البالغ.

توحيد المبالغ اتحادياً ومرحلة دمج تستهدف المهاجرين

ينص مشروع القانون في خطوطه العريضة على إقرار توحيد شامل للمساعدات على مستوى النمسا عبر تحديد مبالغ ثابتة للبالغين، وفرض حد أدنى إجباري لمخصصات الأطفال. وتتضمن الخطة استحداث ما يُعرف بـ “مرحلة الدمج” (Integrationsphase) التي تستهدف بشكل مباشر المهاجرين والمهاجرات، بغرض تسريع انخراطهم في المجتمع وسوق العمل. وبجانب ذلك، يخطط المشروع لتقديم دعم مالي للعائلات ذات الدخل الضعيف التي تتجاوز حدود استحقاق المساعدة الاجتماعية بقليل. وفي هذا السياق، يناقش الائتلاف زيادة “المبلغ الإضافي للأطفال” (Kindermehrbetrag) ضمن الحزمة الشاملة من 700 يورو حالياً إلى 1,000 يورو، وهو إجراء يستهدف الفئات ذات الدخل المنخفض التي لا تستفيد بشكل كامل أو جزئي من مكافأة الأسرة “Familienbonus Plus” بسبب انخفاض عبئها الضريبي.

خلاف التمويل: مقترح SPÖ للضريبة على كبار الدخل

أثارت قضية إعادة التمويل خلافات داخل الائتلاف الحكومي منذ بداية الأسبوع. ولتغطية التكاليف، اقترح حزب SPÖ، بالتنسيق مع وزارة المالية التي يديرها الحزب وفق ما نقلته وكالة الأنباء النمساوية (APA)، تعديل تطبيق الشريحة العليا لضريبة الدخل البالغة 55 بالمئة والمخصصة لكبار الملاكين وأصحاب الدخول المرتفعة. فحسب النظام الحالي، تُفرض هذه النسبة على الدخل السنوي الذي يتجاوز مليون يورو، بينما يقترح SPÖ تطبيقها مستقبلاً على أجزاء الدخل التي تتجاوز 500,000 يورو سنوياً. وقوبل هذا المقترح برفض المبدئي من شريكي الائتلاف ÖVP وNEOS، مع إبداء الاستعداد لدراسة المقترح وفحصه.

مخصصات الأطفال والنزاع القانوني مع المقاطعات النمساوية

تُشكل قيمة المساعدات المخصصة للأطفال إحدى أعقد نقاط الخلاف في المسودة، ولا سيما ما يتعلق بـ “تدرج الخفض” (degressive Sätze)، أي تخفيض المبلغ الممنوح للطفل الثالث أو الرابع مقارنة بالطفل الأول. وحتى الآن، لم تتضمن المسودة نسبة مئوية محددة لدعم الأطفال. ويسعى المشروع للعودة إلى فرض حدود أدنى موحدة على مستوى النمسا، إذ يخلو قانون المساعدة الاجتماعية الأساسي الحالي (Sozialhilfe-Grundsatzgesetz) من تنظيم هذا الملف، مما ترك للمقاطعات حرية التقدير، وذلك بعد أن ألغت المحكمة الدستورية العليا (VfGH) في عام 2019 النص الاتحادي السابق الخاص بالتدرج، واعتبرته تمييزاً غير قانوني بحق الطفل الثاني والثالث والرابع. كما تظهر تجاذبات مع بعض المقاطعات النمساوية، وخاصة تلك التي تقودها حكومات من حزبي ÖVP وFPÖ، والتي تطالب بإدراج معاييرها المحلية الصارمة ضمن الإصلاح الجديد.

مبالغ ثابتة للبالغين وتسهيلات لذوي الاحتياجات الخاصة

يستبدل المشروع الحد الأقصى للمساعدات المخصص للبالغين – والذي كان يحق للمقاطعات تخفيضه سابقاً – بمبالغ قانونية ثابتة يُمنع تجاوزها. وتعتمد هذه المبالغ على المعدل التكميلي الصافي للشخص الأعزب (“الحد الأدنى للمعاش التقاعدي”)، والذي يبلغ في عام 2026 ما مقداره 1,308.39 يورو شهرياً، ليصل الصافي بعد اقتطاع 6 بالمئة كاشتراكات للتأمين الصحي إلى نحو 1,230 يورو. ويؤكد المشروع عدم جواز تجاوز هذه المبالغ، مع السماح بتخفيضها فقط في حالات استثنائية محددة، مثل وجود دخل خاص قابل للخصم أو عند مخالفت الشروط ورفض عروض التشغيل. وفي المقابل، نصت المسودة على إدخال تحسينات لصالح الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة عبر مضاعفة إعفاء الأصول المالية (Vermögensfreibetrag)؛ فبعد أن كان الحد الإعفائي يعادل ستة أضعاف معدل المعاش التقاعدي للأعزب (نحو 7,379 يورو في عام 2026)، سيتضاعف هذا المبلغ لصالح ذوي الاحتياجات الخاصة بدءاً من عام 2027.

تفاصيل “مرحلة الدمج” وتقليص المساعدات الأولية

وفقاً لمسودة القانون، لن يحصل جميع المستفيدين تلقائياً على القيمة الكاملة للمساعدة الاجتماعية. فبالنسبة للمستفيدين القادرين على العمل والذين لم يندمجوا بعد بشكل دائم في المجتمع وفي الحياة المهنية، ستُخصص لهم “خدمات أساسية” فقط. وتبدأ هذه المرحلة بمبلغ ثابت منخفض لم يُحدد رسمياً في المسودة بعد، ولكنه يتجه لأن يكون بنسبة 70 بالمئة من المبلغ الكامل (أي حوالي 860 يورو شهرياً). ولن يستطيع المستفيد الحصول على المبلغ الكامل إلا بعد تقديم إثباتات تؤكد بذل جهود جادة للاندماج والسعي الحثيث لدخول سوق العمل.

تحذيرات شديدة من Caritas وDiakonie وVolkshilfe

أصدرت منظمات Caritas وDiakonie وVolkshilfe بياناً مشتركاً حذرت فيه من أن أي إصلاح يجب أن يهدف إلى مكافحة الفقر بدلاً من إضعاف شبكة الأمان الاجتماعي الأخيرة. وأشارت المنظمات إلى أن المسودة المطروحة قد تؤدي إلى اقتطاعات صريحة تصل إلى 400 يورو للبالغين، مع تراجع المساعدات الموجهة للأطفال وتعدٍّ على استقلالية الفئات الأكثر هشاشة. وطالبت المنظمات أحزاب الحكومة بإعادة النظر الشاملة في المسودة، مؤكدة أن مكافحة الفقر يجب أن تكون هدفاً ملزماً لمنع سباق المقاطعات نحو خفض المساعدات، ومشددة على أن الاقتطاعات المالية لن توفر في الميزانية بل ستزيد الفقر وتخلق تكاليف اجتماعية باهظة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى